لطالما عُرفت تويوتا بحذرها الهندسي وولائها لفلسفة "الإنتاج الرشيق" (Lean Manufacturing) التي جعلت منها معيارًا عالميًا في الجودة والكفاءة منذ عقود. لكن مع دخول عام 2026، انتقلت الشركة من مرحلة التجارب المحدودة بالذكاء الاصطناعي، التي امتدت بين عامي 2021 و2024، إلى مرحلة النشر التجاري الواسع لهذه التقنية عبر خطوط الإنتاج، والمركبات، والمدن، بل وحتى ثقافة الشركة الداخلية. فكيف يبدو دور الذكاء الاصطناعي داخل واحدة من أكبر شركات صناعة السيارات في العالم؟ وما الدور الذي تلعبه شبكة وكلائها الممتدة في منطقة الشرق الأوسط ضمن هذا التحول؟ هذا المقال يقدّم جولة موسّعة على أبرز محاور هذا التحول.
من الحذر إلى التوسع الفعلي
خلافًا لبعض منافسيها الذين اندفعوا مبكرًا نحو القيادة الذاتية الكاملة والإعلانات الصاخبة، اختارت تويوتا نهجًا تدريجيًا ومحسوبًا يتماشى مع ثقافتها المؤسسية القائمة على التحسين المستمر خطوة بخطوة، المعروفة يابانيًا باسم "كايزن" (Kaizen). وكما صرّح أحد متحدثي الشركة: "نهجنا هو تطبيق الذكاء الاصطناعي حيث يمكنه تحقيق تحسينات ملموسة في الجودة والإنتاجية"، وهي عبارة تلخص فلسفة الشركة إزاء هذه التقنية. ومع ذلك، فإن حجم الاستثمارات والشراكات التي عقدتها تويوتا خلال العامين الماضيين يكشف عن طموح أكبر بكثير من مجرد التجريب الحذر، إذ باتت الشركة تتحرك في آنٍ واحد على جبهات متعددة: المصانع، والمركبات، والمدن الذكية، وحتى الثقافة الإدارية الداخلية.
الروبوتات تدخل خطوط الإنتاج
في فبراير 2026، أبرمت تويوتا اتفاقية تجارية مع شركة Agility Robotics لنشر روبوتات "Digit" الإنسانية الشكل ضمن نظام "الروبوت كخدمة" (Robots-as-a-Service)، بدءًا بسبعة روبوتات مخصصة لمهام الخدمات اللوجستية في منشأة الشركة بمدينة وودستوك في مقاطعة أونتاريو الكندية. كما تعتمد تويوتا على منصة Nvidia Isaac SDK للأتمتة الروبوتية، ومعالجات Nvidia Jetson AGX Xavier منخفضة الاستهلاك (بقدرة معالجة تصل إلى 32 تريليون عملية في الثانية) لتشغيل أنظمة الرؤية والتحليل داخل المصانع.
النتائج الأولية لهذه الجهود بدت لافتة: أفادت تقارير بتحقيق بعض المصانع التجريبية زيادة في الإنتاجية بنسبة 15%، وانخفاضًا في معدلات العيوب التصنيعية بنسبة 20%، وهي أرقام تفسّر إصرار الشركة على توسيع نطاق هذه التجارب تدريجيًا نحو مواقع إنتاج إضافية.
توأم رقمي لكل مصنع
في يوليو 2026، وسّعت تويوتا شراكتها القائمة مع Nvidia لتتجاوز مجال المركبات نحو ثلاثة محاور جديدة: التصنيع، وتطوير البرمجيات، والبنية التحتية الحضرية. أبرز هذه المحاور هو استخدام منصتي Nvidia Omniverse وIsaac Sim لإنشاء "توائم رقمية" (Digital Twins) لخطوط التجميع، تتيح للمهندسين محاكاة أي تغيير في تخطيط المصنع افتراضيًا قبل تنفيذه فعليًا على أرض الواقع، ما يقلل من فترات التوقف وتكاليف إعادة التهيئة بشكل ملحوظ.
كما تعمل تويوتا على تطوير نموذج ذكاء اصطناعي متخصص، مدرَّب باستخدام إطار عمل Nvidia Megatron-LM ومجموعات بيانات Nemotron، لإنشاء ومراجعة برمجيات التحكم الحرجة في المركبات وفق معيار السلامة الصناعي MISRA، وهو معيار صارم يُستخدم عالميًا لضمان أمان الأكواد البرمجية المدمجة في أنظمة السيارات. وعلّق ريشي دال، أحد مسؤولي Nvidia، على الشراكة بالقول إن الهدف هو "جلب الذكاء إلى كل آلة متحركة، من السيارات والروبوتات والشاحنات، وصولًا إلى المدن والمصانع التي تُشغّلها". ومن اللافت أن الشراكة الموسّعة لم تتضمن أي إعلان مالي محدد أو جدولًا زمنيًا واضحًا للتنفيذ، ما يعكس الطابع الاستكشافي المرحلي الذي يميز تعامل تويوتا مع هذه التقنية.
Woven City: مدينة تُدار بالذكاء الاصطناعي
يُعد مشروع "Woven City" عند سفح جبل فوجي من أكثر مبادرات تويوتا طموحًا؛ فهو مدينة نموذجية بالكامل، يُستخدم فيها الذكاء الاصطناعي لإدارة حركة المرور، وتحسين استهلاك الطاقة، وتعزيز جودة الحياة الحضرية بشكل عام. وفي إطار توسعتها الأخيرة مع Nvidia، طوّرت تويوتا "محرك رؤية بالذكاء الاصطناعي" (AI Vision Engine) مدرَّبًا على معالجات Nvidia H100 لإدارة قرارات المرور والبنية التحتية داخل المدينة في الزمن الفعلي. ويُدير هذا المشروع فريق "Woven by Toyota"، الذراع التقنية للشركة المسؤولة أيضًا عن تطوير أدوات الذكاء الاصطناعي الداخلية الأخرى.
القيادة الذاتية بحذر: لا سباق نحو الروبوتاكسي
رغم شراكتها مع Nvidia حول منصة Drive AGX Orin ونظام DriveOS، والتي انطلقت رسميًا في مؤتمر CES بداية عام 2025، فإن تويوتا لا تسعى -خلافًا لكثير من شركائها في هذا المجال- إلى تطوير سيارات ذاتية القيادة بالكامل أو خدمات "روبوتاكسي" على نطاق واسع في الوقت الراهن، بل تكتفي حاليًا بأنظمة مساعدة السائق من المستوى 2++ التي تبقي المسؤولية النهائية على عاتق السائق البشري. الاستثناء اللافت هو مشروعها المشترك مع شركة Pony.ai الصينية، الذي تقدّم نحو مرحلة الإنتاج الواسع لسيارات أجرة ذاتية القيادة مبنية على طراز bZ4X، بهدف نشر أكثر من 1000 مركبة في السوق الصينية. كما تربط تويوتا شراكة أخرى مع Waymo تخص المركبات ذاتية القيادة المملوكة شخصيًا، لا خدمات النقل التشاركي.
استثمارات ضخمة تمهّد للمستقبل
على الصعيد المالي، خصصت تويوتا في سبتمبر 2025 مبلغ 1.5 مليار دولار موزعة على صندوقين: 670 مليون دولار عبر "Toyota Invention Partners" لدعم الشركات الناشئة في مراحلها المبكرة، و800 مليون دولار عبر الجولة الثانية من "صندوق Woven Capital" الموجه للشركات في مراحل النمو الأكثر تقدمًا. وفي نوفمبر 2025، أعلنت الشركة عن ضخ 10 مليارات دولار على مدى خمس سنوات في عملياتها بالولايات المتحدة، مع التركيز على مبادرات الذكاء الاصطناعي والطاقة.
كما تربط تويوتا شراكة بحث وتطوير مشتركة مع شركة NTT اليابانية للاتصالات بقيمة 3.3 مليار دولار حتى عام 2030، تستهدف بناء "منصة تنقّل بالذكاء الاصطناعي" (Mobility AI Platform) تركّز على القيادة الذاتية والمدن الذكية، في مؤشر إضافي على أن تويوتا تنظر إلى الذكاء الاصطناعي كبنية تحتية استراتيجية طويلة الأمد لا مجرد أداة تشغيلية عابرة.
أبرز شراكات تويوتا العالمية في الذكاء الاصطناعي
| الشريك | مجال التعاون الرئيسي |
| Nvidia | توائم رقمية للمصانع (Omniverse وIsaac Sim)، مساعدة القيادة (DRIVE AGX Orin)، الذكاء الاصطناعي لمدينة Woven City |
| NTT | منصة "التنقل بالذكاء الاصطناعي" بقيمة 3.3 مليار دولار حتى 2030 |
| Agility Robotics | روبوتات Digit للخدمات اللوجستية داخل المصانع |
| Pony.ai | سيارات أجرة ذاتية القيادة (bZ4X) في الصين |
| Waymo | مركبات ذاتية القيادة مملوكة شخصيًا |
| AWS وDeloitte وDatabricks | أتمتة سلاسل الإمداد وتوحيد البنية التحتية للبيانات |
الذكاء الاصطناعي في خدمة الموظفين لا بديلًا عنهم
من أكثر مبادرات تويوتا تفردًا إطلاق مساعد داخلي يُعرف باسم "Gear Pal" في نوفمبر 2025، مصمم لتقليل فترات توقف خطوط الإنتاج عبر تحليل البيانات التشغيلية بشكل آني. والأكثر لفتًا للانتباه هو تطوير نظام ذكاء اصطناعي يحمل اسم "Akio AI"، مبني على تحليل أكثر من عقد من خطابات ومقابلات رئيس مجلس إدارة تويوتا أكيو تويودا، بحيث يمكنه الإجابة عن أسئلة المديرين وتقديم إرشادات تعكس فلسفته القيادية، وهو متاح على مدار الساعة لموظفين مختارين ضمن حرم "Woven City" في محافظة شيزوكا اليابانية. وأوضح دايسكي تويودا، أحد كبار نواب رئيس الشركة، أن الهدف هو امتلاك تويوتا سيطرة داخلية على نماذجها الخاصة بالذكاء الاصطناعي لضمان "الاستدامة طويلة الأمد وثقة القوى العاملة". وتندرج هذه الخطوة ضمن التزام تويوتا المُعلن بأن يكون الذكاء الاصطناعي "محوره الإنسان"، بمعنى أنه يُستخدم لمساعدة العامل ونقل خبرة الموظفين القدامى للأجيال الجديدة، لا لاستبدالهم.
أقوى وكلاء تويوتا في الشرق الأوسط ودورهم
لا يكتمل الحديث عن حضور تويوتا العالمي دون التوقف عند شبكة وكلائها في الشرق الأوسط، وهي شركات عائلية مستقلة تحمل حقوق التوزيع الحصري للعلامة في أسواقها، وليست فروعًا مملوكة مباشرة لشركة تويوتا اليابانية الأم. وتشكّل هذه الشركات كتلة تجارية منسّقة إلى حد بعيد، إذ تنظّم تويوتا سنويًا منتدى "Best-in-Town" الذي يجمع أكثر من 12 موزعًا من الشرق الأوسط وآسيا الوسطى لتبادل أفضل الممارسات، استنادًا إلى فلسفة الرئيس أكيو تويودا نفسه.
عبداللطيف جميل موتورز (السعودية): شريك تويوتا في السوق السعودي منذ عام 1955، وتصفه تويوتا السعودية بأنه "أحد أبرز موزعي تويوتا المستقلين في العالم". وقد باعت الشركة أكثر من 100 ألف سيارة هجينة من تويوتا في السعودية حتى عام 2024، واحتفلت في معرض الرياض للسيارات 2025 بمرور 70 عامًا على الشراكة. كما يقود عبداللطيف جميل تجارب إقليمية في تقنيات الطاقة البديلة تتقاطع مع توجهات رؤية السعودية 2030، من بينها تشغيل تجريبي لسيارات أجرة تعمل بخلايا الوقود الهيدروجيني من طراز "تويوتا ميراي" في جدة، وحافلات هيدروجينية تجريبية من طراز Caetano H2.City Gold في مكة المكرمة، إلى جانب شراكة بحثية مع جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست) حول خلايا الوقود الهيدروجينية. أما على صعيد الذكاء الاصطناعي تحديدًا، فقد أشارت فعاليات تقنية متخصصة إلى استخدام مجموعة عبداللطيف جميل الأوسع لمنصة "Horizon" للذكاء الاصطناعي الوكيلي من شركة Zycus في توحيد عمليات المشتريات الداخلية، وإن كانت التفاصيل المتاحة حول ارتباط هذا التطبيق تحديدًا بقطاع توزيع السيارات محدودة.
الفطيم موتورز (الإمارات): موزع تويوتا ولكزس وشاحنات هينو في السوق الإماراتي منذ عام 1955 أيضًا، وتُعد إحدى أذرع مجموعة الفطيم التي تُصنَّف ضمن أكبر 100 شركة عائلية عربية بحسب مجلة فوربس الشرق الأوسط. وفي فبراير 2025، أطلقت الفطيم للسيارات "صالات عرض افتراضية" لعلامات تويوتا ولكزس وBYD، تتيح للعملاء استعراض السيارات بتقنية 360 درجة، وتخصيص المواصفات، وحجز تجارب القيادة، وإتمام الشراء عبر الإنترنت، بالتعاون مع شركة Verse World المتخصصة. وسجّلت صالة العرض الافتراضية الخاصة بتويوتا وحدها نحو 3800 تفاعل خلال أول 30 يومًا من إطلاقها. وعلّقت كاتب بلخوجة، مديرة تجربة العملاء لدى المجموعة، بأن هذه التقنية "تمكّن العملاء من الاستكشاف والتخصيص واتخاذ قرارات شراء مدروسة". ورغم أن هذه المبادرة تندرج ضمن ما تصفه الشركة بـ"تجربة التجزئة الرقمية" أكثر من كونها ذكاءً اصطناعيًا صريحًا بالمعنى الدقيق، فإنها تمثل خطوة أولى واضحة نحو صالات عرض أكثر ذكاءً في المنطقة.
بقية الوكلاء الإقليميين: تدير شركة محمد ناصر الساير وأولاده توزيع تويوتا في الكويت، بينما تتولى شركة عبدالله عبدالغني وإخوانه هذا الدور في قطر. وفي عُمان، حصلت مجموعة سعود بهوان على جائزة "أفضل موزع في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى" من تويوتا عام 2024. أما في البحرين فتتولى شركة إبراهيم خليل كانو التوزيع منذ عام 1967، وفي الأردن تقوم شركة مركزية بهذا الدور منذ عام 1999. وفي مصر، تُعد شركة "تويوتا مصر" الموزع الحصري، وتملك أيضًا حصة 20% في مشروع مشترك لتجميع سيارات الدفع الرباعي محليًا (مقابل 40% لكل من تويوتا موتور و"تويوتا تسوشو"). وفي لبنان، تحمل شركة بستاني المتحدة للآلات حقوق التوزيع منذ عام 1924، ما يجعلها من أعرق شراكات تويوتا في المنطقة على الإطلاق.
| الدولة | الوكيل الرسمي | ملاحظة |
| السعودية | عبداللطيف جميل موتورز | شريك منذ 1955، أكثر من 100 ألف سيارة هجينة مباعة حتى 2024 |
| الإمارات | الفطيم موتورز | أطلقت صالات عرض افتراضية لتويوتا ولكزس وBYD عام 2025 |
| الكويت | محمد ناصر الساير وأولاده | — |
| قطر | عبدالله عبدالغني وإخوانه | — |
| عُمان | سعود بهوان | "أفضل موزع في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى" 2024 |
| البحرين | إبراهيم خليل كانو | شريك منذ 1967 |
| الأردن | مركزية | شريك منذ 1999 |
| مصر | تويوتا مصر | تملك 20% من مشروع تجميع محلي |
| لبنان | بستاني المتحدة للآلات | شريك منذ 1924، الأقدم إقليميًا |
بشكل عام، يبقى الدور الأبرز لهذه الشبكة الإقليمية حتى الآن تجاريًا ولوجستيًا بامتياز: تمثيل العلامة، وتوسيع نقاط البيع، وقيادة تجارب الطاقة البديلة المرتبطة برؤى التحول الوطنية، بينما لا تزال مبادرات الذكاء الاصطناعي الموجّهة مباشرة للعملاء في هذه الأسواق، كصالات العرض الذكية والمساعدين الافتراضيين، في مراحلها الأولى مقارنة بما تشهده مصانع تويوتا ومختبراتها في اليابان وأمريكا الشمالية.